الجمعة، مايو 11، 2018

جماليات السرد في قصة (شمة) للقاصة والروائية فاطمة الناهض



سلسلة اشتغالات حول نصوص مميزة في القصة القصيرة 
فاطمة الناهض قاصة وروائية متميزة وذات أسلوب خاص بها وهي من دولة الإمارات العربية، بدأت بالقصة القصيرة حيث أصدرت مجلدا من ثلاثة مجموعات قصصية عنوانه: كل مائة عام أو أقل قليلا ، ثم دخلت مجال الرواية وكتبت عديد الروايات المميزة. أتناول هنا بالدراسة احد قصصها المميزة وعنوانها (شمة) . كما أرفق القصة مع الدراسة للفائدة. 
يمارس الراوي في نصوص فاطمة الناهض القصصية منذ بداية القصة لعبة مميزة، يتمكن من خلالها من السيطرة بالكامل على المروي له تمهيدا إنجاز نصه القصصي. هذه الإستراتيجية تنقسم لعديد الأشتغالات لعل من أهمها وهو ينجز النص القصصي ذلك القول المميز المفاجئ وتلك الشعرية في اللغة التي تكسر حاجز المتوقع والمعتاد لنتابع بداية قصة (شمّة).
يرسم الراوي الشخصية المميزة في نص شمة من خلال ذلك التباين في الصور بين زمنين، في زمن البدايات حيث الطفولة اللاهية ثم زمن الشباب والتحول عن أحلام الطفولة وعبثها إلى وطأة الجسد نجدنا مع نص مميز يرصد التحولات الحاصلة على الذوات عبر الزمن كما يطرح باقتدار ذلك التكوين الاجتماعي لمجتمع النص مع النمو المستمر لتلك الشخصية المميزة شمة. 
الراوي يبدأ برسم صورة خاصة للمكان ثم يدخلنا في إطار ألعابه السردية:
"(أ) الظهيرة... هي ما أتذكر.
(ب) حيث كنا نلوب في السكيك مثل الغجر،(ج) وكأن لا أهل لنا يبحثون عنا في هجيرٍ يوزع نفسه على الرمل الساخن وجدران البيوت...(د) في عدالة مثيرة للضجر." 
نلحظ مما سبق الإستراتيجيات التي تمّ توظيفها في بداية القصة، إذ لحظة القص الأولى هي اللحظة الأهم في بناء العلاقة بين الراوي والمروي له وفي خلق الشد اللازم لجعل لتدفق النصي منسابا بينهما.
يبدأ الراوي في (أ) بالتأطير الزمني (الظهيرة)، وبتحديد المسافة الزمنية بين زمن حكاية شمة في الماضي وبين الحاضر، يحقق ذلك قوله (أتذكر) الذي يرسم مسافة بعيدة بين حاضر السرد وبين الماضي زمن (شمة) والطفولة.ولنتذكر هنا جمال الماضي في وعينا كلنا. 
بعد هذا الدخول نجد صورة الطفولة في الماضي تزداد تجسدا عبر تحديد الإطار المكاني للحدث أو الفضاء المكاني (نلوب في السكيك). ثم نجد في المقطع الثالث رسما للشخصيات من خلال تحديد موقف اجتماعي من لعب الظهيرة (وكأن لا أهل) ولنتذكر كيف تحولنا في المقطع (ب) وما يليه من الرؤية الفردية للراوي إلى رؤية المجموع (حيث كنا) وهي لعبة يتقنها رواة فاطمة الناهض بقوة. بينما نجد إغلاق هذا الدفق السردي من خلال سرد غير متوقع وصورة مميزة حيث يتم وصف شدة تلكم الظهيرة والتهكم الخفي على طبيعة الحر من خلال ( في عدالة مثيرة للضجر). بحيث تضعنا هذه الجملة أمام صورة متكاملة للفضاء المكاني زمن شمة والطفولة.
سنجد المزيد من السرد المميز في المقطع الثاني ونحن نتابع روح ذلك الراوي العابث المتماهي مع عبث الطفولة، والرغبة المستمرة لدى أولئك الصبية في إظهار لامبالاة دائمة تجاه كل الصعوبات:
" (أ) تلك الظهيرات الكسولة (ب) التي نجر فيها خطواتنا المتثاقلة (ج) عبر دروب ترابية ضيقة (د) تتفرع حول البيوت أنهارا سخية من الرمل القاحل.. (هـ) فيما تكون الشمس قد أخذت نصيبها من هذياننا المطلق." 
 لاحظ في (أ) كيف نعود للتأطير الزمني مع الحضور الكامن والخفي للرؤية من خلال استخدام رؤية المجموع وكلمة (الكسولة) كوصف للظهيرات التي تظهر طبيعة الرؤية الآنية للراوي بروح ساخرة من الماضي.
كما نلحظ صورة الحدث الذي يظهر باستمرار ذلك الوعي الساخر (مع شعور بالهنة والضعف) من خلال صورة جرجرة الأرجل، ثم نجد حضور الفضاء المكاني في (ج) ثم نجد في (د) الصورة الموحية التي ترسم ذلك المكان وتعكس في الآن ذاته عبر صورة المكان وعي الشخصية الساخر يجسده قول الراوي(أنهارا سخية) ثم يستكمل المشهد في (هـ) حيث يزيد الراوي من تحبيب تلكم الذوات للمروي له عبر صورتهم وهم يهذون.
الراوي كما رأينا ينتقل من الزمن للمكان والحدث ثم يرسم بشكل مباشر عبثية الطفولة التي تحقق بناء شخصيات القصة، هذا البناء لا زال في العموم في المقطع الثالث سيزداد المزيد من التخصيص لنتابع الصورة التالية التي تعكس ذلك وتحققه:
"(أ) ثيابنا التي تبدو كما لو أنها خرجت للتو من أفواه قطيعٍ نشط من الأغنام،
تفضح غزوات نصف النهار على سدرٍ فقيرٍ ونخلٍ أشد فقرا.(ب) وربما مطاردات
دؤوبة لكلاب تخاف منا ولا نخاف منها،(ج) تلك الكلاب الضالة التي نلعب معها
بعيدا عن البيوت (د) وندّعي أننا أغتسلنا سبع مرات من نجاسة لعقها لوجوهنا
وأيدينا،(هـ) ونحن نحلف أغلظ الأيمان بأننا ربتنا على رؤوسها فقط، أو اكتفينا
بالنظر إليها من بعيد وهي تلهث في الصهد مثل كائناتٍ منبوذة(ز) تبحث عن ظل
خلف الحوائط وتحت الإثل وأشجار لوز عجفاء (ح) لا ندري كيف نمت في هذا
القحط الأشد مهارة من أي محاولة آدمية للحياة." 
نجد الراوي يدخل هنا في اشتغالات أكثر تميزا، لنلاحظ صورة الثياب التي يرسمها وعي الشخصية حيث  ينطلق فيها الراوي من الوعي الجمعي للمجموع في تلك القرية حيث الغنم كائن حاضر في الذهن (من أفواه قطيعٍ نشط من الأغنام) بينما يرسم  الراوي حركات الطفولة العابثة من خلال التماهي الساخر مع وعيها وهو ما يتحقق من خلال ( تفضح غزوات) كما نجد الزمن والمكان من خلال صورة الحر الذي يعكس الزمن والمكان. 
بينما يضعنا الراوي في مقطع (ب) في طبيعة تلك الذوات الطفولية وما تخاف منه وما لا تخاف منه (...الكلاب تخاف منا ولا نخاف منها) بينما منذ المقطع (ج) سنصبح في صورة تعكس بعد قيمي وثقافي للقرية كما تمتلك شعرية نتيجة لروح التواتر التي تؤطر ذلك الفعل كله، إذ لا زلنا نقع هنا تحت إطار تلك الظهيرات التي بدأ بها الراوي قصته. في المقاطع (ج، د، هـ) تطرح أمامنا قيمة الكلب ثقافيا وكونه نجسا وحرص السر المسلمة والعربية على تطهير ما لعقه الكلب سبع مرات هذا المكون الثقافي يطرح بشكل تلقائي عفوي ضمن سرد تواتري ترددي يحقق المزيد من الجمال للخطاب المنتج، بينما يتحقق في المقطع (و) والمقطع (ز) تأطيرًا اكبر للفضاء المكاني من خلال تركيز عدسة السرد على الأمكنة التي تسعى الكلاب للبحث عن ظل فيها ثم في (ز) نجد نهج الأسئلة في السرد وهو ما يحقق تحفيزا للمروي له من خلال (لا ندري كيف نمت في هذا القحط) ويحقق هذا الأسلوب السردي نوع من رفع الحرج يدعيه الراوي ليظهر عدم مسئوليته عن القول بنمو الشجار في الظهيرات الحارة. وهو ما يحقق في الآن نفسه المزيد من حضور الفضاء المكاني للأحداث بشكل غير مباشر أمام المروي له. 
بينما سيكون علينا في المقطع الرابع من مقاطع هذه القصة أن نتعرف على أزمة هذه القصة وهي شخصية شمة البنت التي كانت تصاحب الأولاد
"(أ)  لم يعبأ أحد حقا لماذا كانت شمّة دائما خلفنا،(ب)  لماذا تركض في تلك الظهيرات كأنها ولد نحيل (ج) وجديلتها السوداء تشطر الهواء وراءها(د) وهي تسابقنا إلى الدكان الوحيد، أو البيت المهجور، أو حتى جبل الحصى الصغير خلف المسجد." 
في المقطع (أ) نحن نتعرف على بداية عقدة هذه القصة من خلال نهج الأسئلة في السرد كذلك يضيف السؤال في (ب) المزيد من الحضور لشخصية (شمة) البنت التي تصاحب الأولاد مع تحديد زمني وتواتر. بينما في (ج) نحن مع صورة شبه فانتازية ترسم ما يتخيل من فعل جديلة شمة الممتدة خلفه بسبب جريها المفرط. 
في (د) نتابع صورة المكان عبر حركة الشخصية ضمنه فنعرف أن في تلك القرية دكان واحد وبيت مهجور ومسجد وراءه جبل حصى. 
بنفس التناوب تقريبا نبدأ بالزمن الذي يتم تحديده وهو زمن الظهيرة وترسم الأحداث متواترة ثم نجدنا مع صورة أخرى للفضاء المكاني تكمل المقطع وتؤسس للخافيات القديمة التي يحاول الراوي عبر الشخصية المستذكرة أن يتذكره.
في المقطع الخامس تعبير واضح عن حضور شمة كزميل لعب لا كأنثى، أي كولد، 
مع الراوي وما يسرده ندرك بشكل غير مباشر حالة الطفولة وأحلامها وأوهامها الصغيرة ومغامراتها في تلك الأزمنة الغابرة زمن الراوي المتذكر وزمن شمة رفيقة الصبيان، لنتابع هذا المقطع الخامس لنجد ذلك التأكيد من الراوي الذي يسرده بثقة من خلال رؤية المجموع التي يعتمدها:
"(أ) تقبّلناها كواحد من الصبية لأنها كانت تشبهنا،(ب) عفّية وعداءة ومجنونة مثلنا..(ج) حتى في حبّها للكلاب الضالة وتسلق الأسوار والركض حافية على الرمل الساخن.(د) بل إن اللعب لا يكتمل إلا بحضور شمّة، التي لم يفكر أحد منا أنها ليست  ولدا.. ولا لمرة واحدة.. وهو يدفعها أو يقع فوقها في عراك أو حتى وهو يشد جديلتها الفخمة لتسوية نزاع." 
نتابع في (أ) رؤية الأولاد كلهم لشمة مسرودة من خلال كلام الشخصية، ثم نجد ثم في (ب) نجد اوصاف تبه فيها شمة الأولاد وهي تمثل مجموع المكونات التي يعتز بها هؤلاء الصبية كذلك نجد التشابه في التصرفات في (ج) فهي مثل الأولاد  في ركضها الحافي وفي حب الكلاب ثم يكتمل السرد وتكتمل صورة شمة رفيقة الأولاد من خلال تأكيدات الشخصية.
ستتطور قصة شمة وما يحصل لها ونجدنا أمام لحظة متفردة خاصة فيها ينتبه الرفاق لكونها مختلفة عليهم:
"(أ) لكن يوما أتى ليعلن أنها بنت، ولا تشبهنا أبدا أبدا.
(ب) افتقدناها جميعا ذات صباح غائم،(ج) وحين سألنا عنها مرة أو مرتين جوبهنا بتلك الشراسة المعهودة لدى الأهل حين يتعلق الأمر بالبنات اللواتي يكبرن فجأة على اللعب (د) لمجرد أنهن لن يستطعن الركض دون أن ترتفع صدورهن وتهبط ناشرة الفتنة والضياع وخيوط اللعاب على وجوه المارة وطالبي القرب." 
يبدأ الراوي عبر التلخيص في (أ) ليضعنا في تعقد مسار الأزمة ثم التشخيص لكيفية حصول ما حصل في (ب) ثم نجدنا في (ج) مع سرد ما أعتيد عليه من الجماعة عند بعض الظروف (جوبهنا بتلك الشراسة المعهودة لدى الأهل حين يتعلق الأمر) ثم في (د) نجد صورة الراوي وهو يرسم بشكل عام صورة لتحولات الأنثى هي في الحقيقة عاكسة لوعي الشخصية المتكلم.
سيكون علينا أن ننتقل فيما يلي من السرد التواتري المقترن برؤية الجماعة إلى السرد الفردي والرؤية الفردية لنتابع هنا هذه النقلة ونحن نجد هذا التحول :
" لكنني رأيت شمَّة. رأيتها وحدث لي ما حدث لها. قفز قلبي ولم أدر أين حط.
ولم أعد قادرا على الكلام أو أعرف لماذا طرقت بابهم تلك الظهيرة. كانت غرّتها
تقف عند هلالين بديعين يرتفعان فوق رموش ظليلة فاحمة لعينين لم أر مثل
عسلهما منذ جئت إلى هذا العالم. وبدا أنفها الصغير الرقيق شامخا أعلى شفتين
محمرتين وبين وجنتين صافيتين كخزف صيني باهر." 
سنتحول مع تحول السرد من الرؤية الجماعية إلى الرؤية الفردية ومعها نجدنا أمام ذاتية الشخصية التي يتم تبئير وعيها، ومع ارتفاع نسق الوصف وتوظيف الصور المميزة ومن التقنيات التي تحدثنا عليها على مستوى السرد نجد ما يلي :
طرح الرؤية عبر نهج الأسئلة في السرد:
"وعدت إلى بيتي مباشرة في تلك الظهيرة الظالمة لا أعرف ما بي وما الذي جعل شمّة تفوح بالحنّاء هكذا والليمون الأخضر، وتستدير كفاكهة نادرة.
كيف أصبح شعرها ناعما فجأة ورموشها وارفة وعيناها بلون العسل"
إننا ندرك عبر الأسئلة السابقة أن القصد ليس السؤال ولكن وضع المروي له في إطار صورة وصفية للشخصية تعكس بشكل غير مباشر رؤية الشخصية الذي يتم عبوه لتحقيق السرد.
سرد النفي لرسم صورة الشخصية وطرح رؤية خاصة للرائي:
"لم تكن تلك المجنونة التي تركض في الظهيرات اللاهبة (...) وتخلي عني قلبي، وتبعها مثل كلب ضال. رمقته بنظرة حنان ذات يوم." 
نلحظ فيما سبق كيفية السرد من خلال النفي هذا النفي يستحضر إرثا متواترا تم فيما سبق تأسيسه ثم نجد صورة أخيرة تعكس الوعي العميق لذات تلك الشخصية المهووسة بالكلاب في كل لحظاتها بل وتبدو خلفها فكرة ثقافية خاصة عن الكلب. 
سرد عدم التأكد لرسم الأحداث :
نجد هنا السرد مع عدم التأكد الذي من خلالها الراوي يطرح أسباب محتملة لحدث ما. لنتابع هنا كيف يرسم لنا عبر حالات عدم التأكد إمكانيات مختلفة تسببت في عدم تمكنه من الزواج:
"ربما  اعتمدت على الوقت. ربما عطّلني رحيل أمي المفاجيء إلى الجنة دوني، ربما قررت أن أصبح جديرا بها أولا. ربما فكرت أنها تعرف.. أو أنها ستنتظرني.. أو أسرفت في الخيال بأنها لا شك مأخوذة بي مثلما أنا مغيّب بها." 
قصة شمّة
الظهيرة... هي ما أتذكر.
حيث كنا نلوب في السكيك مثل الغجر، وكأن لا أهل لنا يبحثون عنا في هجيرٍ
يوزع نفسه على الرمل الساخن وجدران البيوت... في عدالة مثيرة للضجر.
تلك الظهيرات الكسولة التي نجر فيها خطواتنا المتثاقلة عبر دروب ترابية
ضيقة تتفرع حول البيوت أنهارا سخية من الرمل القاحل.. فيما تكون الشمس قد
أخذت نصيبها من هذياننا المطلق.
ثيابنا التي تبدو كما لو أنها خرجت للتو من أفواه قطيعٍ نشط من الأغنام،
تفضح غزوات نصف النهار على سدرٍ فقيرٍ ونخلٍ أشد فقرا. وربما مطاردات
دؤوبة لكلاب تخاف منا ولا نخاف منها، تلك الكلاب الضالة التي نلعب معها
بعيدا عن البيوت وندّعي أننا اغتسلنا سبع مرات من نجاسة لعقها لوجوهنا
وأيدينا، ونحن نحلف أغلظ الأيمان بأننا ربتنا على رؤوسها فقط، أو اكتفينا
بالنظر إليها من بعيد وهي تلهث في الصهد مثل كائناتٍ منبوذةٍ تبحث عن ظل
خلف الحوائط وتحت الإثل وأشجار لوز عجفاء لا ندري كيف نمت في هذا
القحط الأشد مهارة من أي محاولة آدمية للحياة.
لم يعبأ أحد حقا لماذا كانت شمّة دائما خلفنا، لماذا تركض في تلك الظهيرات
كأنها ولد نحيل وجديلتها السوداء تشطر الهواء وراءها وهي تسابقنا إلى الدكان
الوحيد، أو البيت المهجور، أو حتى جبل الحصى الصغير خلف المسجد.
تقبّلناها كواحد من الصبية لأنها كانت تشبهنا، عفّية وعداءة ومجنونة مثلنا..
حتى في حبّها للكلاب الضالة وتسلق الأسوار والركض حافية على الرمل
الساخن. بل إن اللعب لا يكتمل إلا بحضور شمّة، التي لم يفكر أحد منا أنها ليست
ولدا.. ولا لمرة واحدة.. وهو يدفعها أو يقع فوقها في عراك أو حتى وهو يشد
جديلتها الفخمة لتسوية نزاع.
كل مائة عام أو أقل قليلا فاطمة الناهض
لكن يوما أتى ليعلن أنها بنت، ولا تشبهنا أبدا أبدا.
افتقدناها جميعا ذات صباح غائم، وحين سألنا عنها مرة أو مرتين جوبهنا بتلك
الشراسة المعهودة لدى الأهل حين يتعلق الأمر بالبنات اللواتي يكبرن فجأة على
اللعب لمجرد أنهن لن يستطعن الركض دون أن ترتفع صدورهن وتهبط ناشرة
الفتنة والضياع وخيوط اللعاب على وجوه المارة وطالبي القرب.
لكنني رأيت شمَّة. رأيتها وحدث لي ما حدث لها. قفز قلبي ولم أدر أين حط.
ولم أعد قادرا على الكلام أو أعرف لماذا طرقت بابهم تلك الظهيرة. كانت غرّتها
تقف عند هلالين بديعين يرتفعان فوق رموش ظليلة فاحمة لعينين لم أر مثل
عسلهما منذ جئت إلى هذا العالم. وبدا أنفها الصغير الرقيق شامخا أعلى شفتين
محمرتين وبين وجنتين صافيتين كخزف صيني باهر.
هبطت نظرتي الوجلة إلى الارض. لكنها مرت قبل ذلك على بساتين وكروم.
وكان قلبي يرتجف عند قدمي، حين همست بأجمل صوت تستحثني على
المغادرة، وتضع في يدي قبضة من أوراق الليمون!
وغادرت ساهما، ويدي مطبقة على الأوراق. ولم أقل شيئا.
حتى إني تركت قلبي هناك ولم أجرؤ على أخذه معي، وعدت إلى بيتي مباشرة
في تلك الظهيرة الظالمة لا أعرف ما بي وما الذي جعل شمّة تفوح بالحنّاء هكذا
والليمون الأخضر، وتستدير كفاكهة نادرة.
كيف أصبح شعرها ناعما فجأة ورموشها وارفة وعيناها بلون العسل، وهي
التي كانت حنطية نحيلة غبراء حافية بجديلة تركض في الهواء بلا اتجاه.
لم يعد للعب طعم؛ للظهيرات شغف؛ للكلاب أهمية؛ للعدو معنى، كأن شمّة
أخذت معها كل شيء إلى بيتها. وتركتنا نصطدم ببعضنا كأننا في مكان مزدحم.
وأنا أيضا، حدث لي ما حدث لشمّة على ما أظن. بعدها بقليل. لكنني لم أصبح
في مثل حسنها ورائحتها الزكية وحمرة خديها. بل إنني شمخت ذراعا، وصار
أنفي مثل عرنوس الذرة، فيما استطالت يداي وذراعاي باتجاهات لا علاقة لها
بجسدي. واستحالت وسامتي الطفولية إلى شيء لا يمكن الخروج به حتى
لمطاردة الكلاب.
كل مائة عام أو أقل قليلا فاطمة الناهض
واحتلّت شمّة فوق كل هذا الضياع ظهيراتي والليالي. بل إنني حلمت بها
مرتين. وجربت حتى أن أدخّن في غفلة من الأهل، وأنا أستحضرها بين الدخان
الأزرق وسعال المبتدئين.
بعد أن حدث لي ما حدث، لم تعد زيارة شمّة ممكنة ولا لأي سبب. ليس بهذا
الطول على أي حال، ولا هذا الوجه!
ثم جاءت المعجزة. جاءت بقدميها. وأنا مرابط في غرفتي لا أخرج إلا
لضرورات ملحّة، بعد أن تركني الأهل وشأني، ريثما يكشف الرب هذه الغمّة
التي اسمها الرجولة، ويحنّ على بسماحة الوجه وتناسق الحركات!
أقول جاءت المعجزة بقدميها.
مرضت أمي وعادتها شمّة وأمها. وأنا وكما لا يجدر برجل أن ينظر إلى أنثى
لا تحق له، لم أنظر من شق باب ولا ضلفة نافذة مواربة، بل مررت على أكوام
من السواد في طريقي إلى الأمان، كما يليق برجل يترك البيت لنساء يأخذن
راحتهن، فيتبعثرن مثل ورد غض ورياحين. وتفاصيل تأخذ بالألباب، وتجرح
النسيم، غير عابئات بالأنفاس التي تترصد الهواء الخارج من صدورهن، والملبد
بروائح المشموم والياسمين الهندي ودهن العود.
قلت فقط: "درب.. درب". وبصوت بالكاد أعرف من أين خرج، لكنه هزّ
جدران المنزل كزلزال مفاجئ.
كان الوقت عصرا، يغذ السير إلى الغروب، حين خرجت هي ووالدتها إلى
بيتهما.
لم تكن تلك المجنونة التي تركض في الظهيرات اللاهبة. كانت مشيتها الملفوفة
بالسواد واثقة من قدرتها على ليّ الأعناق. فالتوي عنقي، وهي تخصني بابتسامة
خائفة وبخيلة، وتخلي عني قلبي، وتبعها مثل كلب ضال. رمقته بنظرة حنان ذات
يوم.
كنت أجبن من أن أتحرك؛ من أن أقول لها بأنني.. مجنون بها.. وأنني لا أنام
إلا وأنا أفكر بأنها إلى جانبي، ناثرا ورق الليمون الذي يبس على فراشي، وماض
في أيامنا البريئة في هجير بعيد، وبرد قارس يغوص في مفاصل الأيام.
كل مائة عام أو أقل قليلا فاطمة الناهض
ربما اعتمدت على الوقت. ربما عطّلني رحيل أمي المفاجيء إلى الجنة دوني،
ربما قررت أن أصبح جديرا بها أولا. ربما فكرت أنها تعرف.. أو أنها
ستنتظرني.. أو أسرفت في الخيال بأنها لا شك مأخوذة بي مثلما أنا مغيّب بها.
وهكذا، صارت شمّة من نصيب غيري. ذات ليلة لم يتوقف فيها دق المعازف
حتى الصباح. وتركت ذلك الضال قلبي يلوب في السكيك البعيدة. محاولا - -
اجتياز معابر الخيبة المبكرة، لحب صغير لم تكتب له النجاة.
لكنني وأنا أحاول أن أتخفف من مثاقيل الحسرة كل يوم، بعيدا عن السكيك
والفرجان وصهد الذكريات، لم أعد أعرف بماذا أدعو شمّة. وهل من المسموح
أن أنظر إلى غرتها أم حنّاء قدميها، أو كيف أحلم بها وهي على بعد حائط طيني
تفوح بالليمون الأخضر والغموض، وتلتحف ظل أبي كل ليلة، بينما أتضور في
الظلام مثل كلب يحتضر.


الاثنين، مايو 07، 2018

الرؤية في قصة نجاة للكاتب الليبي محمد زيدان



محمد زيدان شاعر وقاص ليبي مما صدر له: 
الأشياء الكثيرة المعروفة - قصص - المجلس الأعلى لتنمية الإبداع - بنغازي - ليبيا - 2004 الماء ليس أكيداً - شعر - منشورات المؤتمر - طرابلس - ليبيا - 2004
أضع هنا دراسة حول احد قصصه وهي قصة نجاة المنشورة في موقع القصة العربية، كما اضع القصة نفسها في نفس الملف.
يسرد راوي محمد زيدان في نصه نجاة، عبر رسم حالة الشخصية باستمرار وما يستجد عليها من أشياء تراها هي لوحدها فقط، صورة مؤسطرة لفراغ الليل في الصحراء عبر وعي هذه الذات ويخلق بذلك ما يمكن أن نسميه بالخطاب الغرائبي مستخدما لتحقيق ذلك العديد من التقنيات السردية أولها ما سنتابعه هنا -في بداية النص- حيث يقوم الراوي برسم صورة بانورامية عن وضع الشخصية، ثم يقوم بعبورها والتعبير على وعيها من الخارج عبر التماهي معها . البداية كما نرى فيما يلي مع (التلخيص). 
"ممتلئاً بكل ما يحيله إلى (كتلة من رعب تمشي على الأرض بقدمين) ظل يواصل خطوه اللاهث". 
ولتحقيق المزيد من التفعيل للخطاب ورفع الدراما كان على الراوي أن يدخل داخل ذات تلك الشخصية ويتفاعل مع حالتها العنيفة التردي ويرسم ما يراه من هناك، لنتابع هنا المقطع التالي ونحاول أن ندرك الدلالات الخفية للكلمات التي تأسست منها الصورة.
"(أ) مخترقاً هبات الريح الباردة التي تصفع جسد الظلام، فيما تتساقط الأشباح وكائنات الليل من حوله... (ب) تثير في أعماقه ارتجافات الخوف الكامن فيه منذ الأزل.." 
إن ألفاظ (مخترقا، تصفع، تتساقط) كلها تدل على حالات أو أفعال قريبة من الشخصية وتعبر عن الخوف والرعب الذي يعيشه بشكل غير مباشر، بينما نجدها في القطع الثاني رقم (ب) تتحول بشكل مباشر حيث يدخل الراوي للشخصية ويعبر من الداخل –وليس بمجرد التماهي معها فقط- عبر جملة (تثير في أعماقه)، حيث أصبح الراوي هنا ليس مجرد متفاعل مع ذات ذلك (الخائف) وإنما متواجد في الداخل ومندس في العمق.
ولوضعنا في المزيد من التوتر وإرجاع أسباب الرعب لأبعاد منطقية يقوم الراوي بوضعنا في سياق (مقولة سابقة) ذات طابع علوي،
"لا يخرجون إلا ليلاً.. وحين حضورهم يشعر المرء بزوبعة باردة تتحرك في داخله!" 
ولجعل هذه لمقولة أكثر فعلاً، سيصور لنا الراوي فعل تلقي الشخصية لتلك المقولة كما يقوم بجعل مصدرها واضحا (الشيخ). وينطلق الراوي ناقلا لنا ما يقوله ذلك الشيخ، 
"أ) تداعت في خياله صورة ذلك الشيخ وهو يخبرهم عن ممالك الجن وجنود الخفاء وقدرة أفرداها على التجسد في كل الصور.. "...(ب) وقد يظهر لكم على هيئة كلب أو قط أسود أو شيخ عجوز أو طفل.. بل يظهر دائماً بصورة حسناء.. فاحذروا.. خاصة إن ظهر لكم في الخلاء..."! " 
إننا نتابع صورة الشيخ مع تلخيص موضوعه الذي يتناوله، ثم في (ب) توضع أمامنا مقولات الشيخ نفسه، لجعل الحالة التي تعيشها الشخصية أكثر تجسدا وبروزا أمامنا. 
ونحن بهذا الشكل سنتحول للشخصية من الخارج بعد أن اكتملت أمامنا كل حجج الراوي المنطقية لوضعنا في سياق الشخصية وما تعانيه.
 هنا سيكون علينا أن نتابع عبر الصورة تأثير كل ما سبق على الشخصية، حيث يمارس الراوي هنا تفعيل تلك العقدة التي كان قد أنشأها أمامنا، ويجعل لقوى الطبيعية الفرصة لأن تكون فاعلاً مهيجا للوضع،
"صوت الريح يتموج منسرباً في أذنيه، مختلطاً، يعج بالضحكات والنحيب والصراخ والهمهمات و... 
- ما الذي يجمع كل هذا...؟! إنهم قريبون لا شك!" 
إن الرؤية قد انتقلت من الخارج للداخل، حيث نجد أنفسنا مع الشخصية وما تعانيه من هواجس، كما يصبح المروي لهم أكثر قربا من الشخصية عبر حديثها المباشر، عبر التساؤل السابق.
سنجد الصورة التي تعكس بعداً غرائبياً ضمن هواجس الشخصية ولكن من خلال الخارج وعبر التماهي بين الراوي وبينه
"... وجذوع النخل تتطاول في الفضاء، تهزها رياح الليل فتتمايل كجنيات ماردة ترقص في خبل ناكشة شعورها الشعثاء في فراغ العتمة المخيف!" 
إن الصورة (ذات البعد التشكيلي) السابقة تضعنا فيما يمكن تسميته بالخطاب الغرائبي، حيث نكون مع الجنيات والشعور الشعت والعتمة المخيفة، ثم نجده هنا يوظف الاشتغال على الحواس وخاصة حاسة اللمس ليرسم عبرها المزيد من ألم ورعب تلك الشخصية 
  "(أ) خيوط لزجة.. ملساء.. كخيوط العنكبوت، تسيل على عنقه.. تحسسه.. أصابعه مرتعشة، باردة... وفجأة.. (ب) حملت الريح لأذنيه صوت امرأة تئن." 
كما تابعنا عبر المقطع السابق كان الاشتغال في البداية على حاسة اللمس في (أ) ثم لمزيد من التفعيل نجدنا في (ب) مع حاسة السمع.
سيستمر الخطاب في هذه النص بنفس الطريقة حيث ننتقل من تماهي الراوي مع الشخصية من الخارج وطرحه هواجسها إلى لحظة النهاية، حيث يهرب للمنزل بعنف ويبقى للصباح في حالة هذيان 
"استجمع كل خوف الأزل في ساقيه، وأطلقه في اتجاه القرية، فيما ظلت أصابع الليل تضغط على ظهره وتدفعه للركض المجنون." 
ونجد في لحظة التنوير النهائية  أنفسنا أمام انفتاح النص على العديد من الحالات الممكنة للتأويل حيث الشخصية يتلقى بعد خروجه من غيبوبته خبر موت عائلة في الطريق الصحراوي
".. وفي الصباح أخبروه: 
...ليلة البارحة.. حادث فظيع في طريق زلة الصحرواي... السيارة كأنها كانت في فم عفريت.. وعائلة بكاملها.. قتلت..!" 
 إن لحظة التنوير كما نرى جاءت لتعيد المتوالية ذاتها وتؤكد للشخصية طبيعة فعل الجن، وهي بذلك مخالفة للمعتاد في النهايات .
تلخيص لما سبق:
وظف الراوي كما رأينا العديد من التقنيات لرسم حالة الشخصية، وكان يتحرك من الخارج للداخل ومن الشخصي الذاتي لغير الشخصي، بحيث يحقق بذلك رسم حالة الشخصية، كما كان يستخدم صيغة النقل وإيراد مقولات شخصيات خاصة لتفعيل الخطاب، هذه الشخصيات كما رأينا كانت غالبا شخصية الشيخ التي تتناسب مع البعد الغرائبي المطلوب تحقيقه، كما اشتغل على الصور (الحواسية) وكان ذكيا في توظيفها بحيث حققت له في كل مرة ما يبتغيه من تفعيل للخطاب، وجعل دراما السرد متعالية، وهو ما يتناسب مع الأجواء الغرائبية المشحونة.كما اشتغل في لحظة القص النهائية على الخروج من المعتاد عبر المزيد من التأكيد على حقيقة حضور الجن كقوى فاعلة ذلك الفضاء الصحراوي.

قصة نجاة
ممتلئاً بكل ما يحيله إلى (كتلة من رعب تمشي على الأرض بقدمين) ظل يواصل خطوه اللاهث، مخترقاً هبات الريح الباردة التي تصفع جسد الظلام، فيما تتساقط الأشباح وكائنات الليل من حوله... تثير في أعماقه ارتجافات الخوف الكامن فيه منذ الأزل..
"لا يخرجون إلا ليلاً.. وحين حضورهم يشعر المرء بزوبعة باردة تتحرك في داخله"!

تداعت في خياله صورة ذلك الشيخ وهو يخبرهم عن ممالك الجن وجنود الخفاء وقدرة أفرداها على التجسد في كل الصور.. "..وقد يظهر لكم على هيئة كلب أو قط أسود أو شيخ عجوز أو طفل.. بل يظهر دائماً بصورة حسناء.. فاحذروا.. خاصة إن ظهر لكم في الخلاء..."!

صوت الريح يتموج منسرباً في أذنيه، مختلطاً، يعج بالضحكات والنحيب والصراخ والهمهمات و...

- ما الذي يجمع كل هذا...؟! إنهم قريبون لا شك!

أحس بحلقه جافاً ولاحظ تسارع دقات قلبه على نحوٍ مرتبك.. القرية بعيدة لا تزال، وجذوع النخل تتطاول في الفضاء، تهزها رياح الليل فتتمايل كجنيات ماردة ترقص في خبل ناكشة شعورها الشعثاء في فراغ العتمة المخيف!

خيوط لزجة.. ملساء.. كخيوط العنكبوت، تسيل على عنقه.. تحسسه.. أصابعه مرتعشة، باردة... وفجأة.. حملت الريح لأذنيه صوت امرأة تئن.

اصطكت قدماه، وتصاعد في عروقه الارتجاف.. ترنّح في مشيته قليلاً، ثم بدأ يتلو ما تذكر من آيات..

هبة الريح الأخرى تحمل لأذنيه الأنين مكثفاً وصاعداً هذه المرة. توقف متجمداً.. يده على قلبه.. بسمل وتعوذ وأصغى.. هبة أخرى.. ويعلو الأنين، يطفو فوق الريح ويتساقط في أذنيه.. مجروحاً وواضحاً.. ثم ينفجر صراخ طفل رضيع.. وتدريجياً، ينحسر الأنين ويعلو الصراخ.. يتذكر كلمات الشيخ: "المرأة في الخلاء جنية.. وجنود الخفاء لهم قدرة على التجسد في كل الصور..."

استجمع كل خوف الأزل في ساقيه، وأطلقه في اتجاه القرية، فيما ظلت أصابع الليل تضغط على ظهره وتدفعه للركض المجنون.

غاص في حمّى الكابوس ليلة كاملة، يهذي.. يصحو، يتقلب، ينام، يهذي، وزوجته تقرأ عليه الآيات.. وفي الصباح أخبروه:

"...ليلة البارحة.. حادث فظيع في طريق زلة الصحرواي... السيارة كأنها كانت في فم عفريت.. وعائلة بكاملها.. قتلت..

السخرية والأسطرة في بعض قصص مجموعة بكاء الصراصير لأحمد يوسف عقيلة


سلسلة اشتغالات حول نصوص مميزة في القصة القصيرة (4)
السخرية والأسطرة في بعض قصص مجموعة بكاء الصراصير للأستاذ أحمد يوسف عقيلة .
تتحقق السخرية لدى أحمد يوسف عقيلة ضمن نسق علاقات المجتمع النصي الخاص الذي يبنيه دائما، ولكننا سنلحظ أنها غير دائمة الحضور ضمن نصوصه، حيث يشتغل أحمد يوسف عقيلة على أكثر من خطاب نوعي بحيث يشكل عالمه ويستعين بفواعل غير بشرية لبناء عالمه الحكائي. ونجد السخرية تتحقق على مستوى الحكاية، حيث يقوم الراوي بتأجيل الجزء للأكبر من المفارقة التي تثير السخرية حتى (لحظة التنوير) ، بينما يضع الراوي بعض التلميحات التي تعبِّر عن المفارقة ولكن بشكل مبهم غير واضح. لنتابع هنا هذا الأمر في قصته (المِشْوَار) أحدى قصص مجموعته القصصية (بكاء الصراصير) حيث يحكي لنا الراوي قصة ذلك الفارس على فرسه، ويتلون أمامنا ذلك الفارس بكل صور الفروسية الممكنة. كما نتناول بالدراسة ايضا مع قصة المشوار ، قصة القطة وقصة المهر. القصص تم إرفاقها ايضا مع الدراسة لمزيد الفائدة.

تتحقق السخرية لدى أحمد يوسف عقيلة ضمن نسق علاقات المجتمع النصي الخاص الذي يبنيه دائما، ولكننا سنلحظ أنها غير دائمة الحضور ضمن نصوصه، حيث يشتغل أحمد يوسف عقيلة على أكثر من خطاب نوعي بحيث يشكل عالمه ويستعين بفواعل غير بشرية لبناء عالمه الحكائي.
 ونجد السخرية تتحقق على مستوى الحكاية، حيث يقوم الراوي بتأجيل الجزء للأكبر من المفارقة التي تثير السخرية حتى (لحظة التنوير)[1]،  بينما يضع الراوي بعض التلميحات التي تعبِّر عن المفارقة ولكن بشكل مبهم غير واضح. لنتابع هنا هذا الأمر في قصته (المِشْوَار) أحدى قصص مجموعته القصصية (بكاء الصراصير)[2] حيث يحكي لنا الراوي قصة ذلك الفارس على فرسه، ويتلون أمامنا ذلك الفارس بكل صور الفروسية الممكنة.
"... يقف بخيلاء الفرسان .. يُطوِّح برجله اليمنى من فوق ظهر الفرس .. يُمسِّد على عنقها الأملس بحنان .. يُمسك اللجام بيده اليسرى .. يلتفت إلى الجموع الحاشدة على الجانبين .. يُحس بالزهو وهو يسمع صيحاتهم"[3]
ثم بعد هذه الصورة التي تبدو محايدة وهي ترسم صورة ذلك الفارس على فرسه نجدنا أمام تلميح من الراوي عن طبيعة الشخصية التي يرسمها في المقطع الثاني
 "( 2 )
ينظر (خليفة) إلى جهة النساء .. يسيل اللعاب خيوطاً على صدره .. يمسح أنفه بطرف كُمِّه .. يحشر سبابته في أُذنه مُغمِضاً عينيه .. يقترب الأطفال .. يتحسسون جسد الفرس الأملس."[4]
بينما سنجد في نهاية المقطع الثالث الصورة الحقيقية لذلك الفتى المسكين وهو يمارس لعبه على مكنسته بحيث تتضح أمامنا الصورة الحقيقية له
".. يرفع ذراعه مُلوِّحاً .. يبصق في يده اليمنى .. يضرب بكفِّه على مؤخرته .. و .. ينطلق في مشوارٍ لاهـث .. بينما عصا المكنسة تُثير خلفه زوبعةً من الغبار..! "[5]
الصورة السابقة كما نرى برغم كل ما فيها من سخرية إلا أنها جاءت منسجمة مع طبيعة السياق العام لاشتغال "أحمد يوسف عقيلة" القصصي حيث القرية أو القبيلة هي مادته الخصبة كذلك تصوير رؤية الكل (أهل القرية وهم يصرخون للولد "اخلوفة" لكي يقوم بنفس الهرولة التعيسة فوق ذلك العود الخشبي) إنها كلها تعكس ذات اللقطة التي انهمك "احمد يوسف عقيلة" ومن زوايا مختلفة بالتقاطها بحيث يرسم بواسطة هذه اللقطة السريعة رؤيته في الكون والعالم والحياة، سنجد اشتغالا مشابها لنفس الكاتب ضمن قصة أخرى من قصص المجموعة ذاتها هي قصة "القطة". سنلحظ في البداية وجود تناص بين هذه القصة وبين المثل الشائع المعروف عن القطة التي تأكل أولادها.
تبدأ القصة بصورة القطة وما تعانيه من خوفها على أولادها من أعداءها خارج التجويف الصخري الذي ضعتهم فيه
"في الصباح .. ألْقتْ نظرةً على صغارها العُميان .. لقد ارتوتْ .. وهي الآن مستغرِقة في نومٍ عميق .. كل واحد يدسُّ رأسه في حضن الآخر.
خرجت لاصطياد ما يمكن اصطياده .. تطلَّعت حولها .. إنها في مأمنٍ من شقاوة الأولاد .. اختارت هذا التجويف الصخري البعيد .. حتى لا تكون هدفاً للمقاليع.
الْتفتت إلى بيتها ..
ـ ولكن ماذا لو تسلَّلت إحدى الأفاعي..؟
ارتعشت وهي تتصوّر ذلك.
أخذت تُضيِّق الفتحة .. كوَّمت التراب في المدخل" [6]
  تتحرك تلك القطة وتبدأ هواجسها وهي تتابع العالم الخارجي حيث الثعلب يستعد لاقتناص كل ما يمكن والثعبان متحفز والبوم وغيرها من الكائنات جاهزة كلها للافتراس ويستمر النص وأمامنا تزداد وتكبر هموم ومعاناة تلك القطة لينتهي بها الأمر وتخرج من جحرها صباحا وقد و قد أكلت أولادها سنجد الأمر أمامنا مبهم حتى اللحظة الأخيرة (لحظة التنوير) حيث نجدنا أمام تلك الكائنات المعادية وهي تكتشف بنفسها ما فعلته القطة
"... تسابق المُترصِّدون..
الأفعى أول الداخلين .. كانت أقربهم..
توغَّلت .. أحسَّت بدفء التراب .. أخرجت لسانها تلتقط الرائحة الشهية .. ولكن ... لم يكن هناك أَثرٌ لشيء .. لا شيء سوى نُتَفٍ من الوَبَر .. وبُقَعٍ من الدَّم..!"[7]
إننا كما نرى أمام هذه السخرية المريرة من القطة ومن كل الغابة هذه السخرية تمّ رسمها بواسطة لغة كثيفة ودراما متصاعدة لهواجس ذات ذلك الكائن حيث الراوي يعبرها ويرسم أمامنا صورة تفاعلها، كل ذلك ضمن نطاق اشتغال احمد عقيلة القصصي حيث القصة تطرح رؤية ما أو تأمل ما.
السخرية المباشرة
سنجد السخرية المباشرة ضمن قصة (المهر) التي تبدأ منذ البداية علامات الخطاب الساخر من خلال تفاعل الراوي (المشكوك فيه) مع المصطلحات الملكية كلفظ (جلالته) في المقطع التالي
"... ذات عشيَّة .. ركب جلالة الملك حصانه الأشقر .. وطلب من مستشاره أن يرافقه في نزهة إلى الغابات المجاورة .. جلالته يحلو له كثيراً التنزَّه في العَشَايا الرطبة .. وحينما هبطا وادياً عميقاً .. وأصبح من الصعب على الفرسين السير فيه .. ترجَّل جلالته .. وأخذ يخطو على قدميه .. يتبعه مستشاره .. ثُمَّ جلس فوق صخرة مُشرفة على مجرى السيل."[8]
فنحن كما نرى أمام الراوي وهو يحكي لنا عن خروجه (أي الملك) بلغة الرواية مع التمادي في ألفاظ التفخيم (المشكوك فيه) التي سبق الحديث عنها، وسنجد مع مضي السرد رسم صورة عبر (الحكاية) عن واقع العلاقة بين الملك ومستشاريه وعن حالة النفاق والغش التي يعيشها الكل معه، كل ذلك يقدم أمامنا بطريقة غير مباشرة حيث يتفاعل الكل مع الوضع الموجود والراوي باستمرار يتحدث عن (جلالته) بالتفخيم ذاته.
لنلاحظ هنا كيف يتم الحديث عن إصابة جلالته بالخوف والهلع بعد أن نعق البوم
"وسط صمت الوادي .. نعقت بومة في السفح الأيمن .. فجاوبتها بومة أخرى من السفح الأيسر.
أجفل الملك .. تغضَّن وجهه .. فجلالته يتشاءم من البوم .. لكنَّ حوار البومتين استمر .. نعقة من هذا السفح .. تردّ عليها نعقة من السفح المقابل"[9]
إننا كما نرى أمام تحريك الحدث الراكد عبر البوم باعتباره مصدرا للشؤم ضمن الثقافة الشعبية، كما يستمر الراوي في رسم الشخصية الرئيسية التي يتم السخرية منها (الملك) بنفس الطقوس، هو ومستشاره الذي يمثل صورة عن واقع النفاق السائد للسلاطين
"لكنَّ جلالته قال بصرامة:
ـ لا تراوغ.
ـ حسناً يا مولاي .. سأُترجم ما قالت البومتان حرفياً .. حرفياً يا مولاي .. ولن أزيد حرفاً واحداً من عندي .. فهذا ليس من الأمانة العلمية.."[10]  
ويستمر الراوي بنفس النمط في تشكيله للخطاب حتى نجدنا أمام اللحظة النهائية التي يرسم  فيها أمامنا بنفس الطريقة التهكمية ملامح مستقبل المملكة
"وسنجد في أخر النص استغفال المستشار لملكه فهو هنا يحدثه عن المهر الذي طلبته البومة من الأخرى لأبنتها
"ـ نعم يا مولاي .. لقد قالت لها .. قالت لها...
ـ ما بك اليوم .. تُكثر التلعثم .. وتُفأفئ .. ماذا قالت..؟
ـ اعذروني جلالتكم .. أنا أُترجم حرفياً .. لقد ضحكت البومة ـ أعني أُمُّ العريس ـ وقالت هذا شرطٌ سهل .. إذا دام عهد جلالة الملك ـ أطال الله بقاءه ـ فسأمنحكِ .. ليس قريةً واحدة فقط .. بل عشرات القُرى الخَرِبة..!
انظروا جلالتكم .. البوم ليس جَحوداً كالبشر .. فهو يدعو لكم بطول البقاء."[11]
إننا كما نرى أمام السخرية المباشرة من الملك ومستشاره وهذه السخرية تمثل رؤية في مفهوم المُلك وعوالمه، وتطرح رؤية الكاتب ضمنه بطريقة غير مباشرة.
 نلحظ هنا أن احمد يوسف عقيلة يخرج في هذا النص من عوالمه الحكائية التي طالما نسجها وفضاءاته الخاصة التي طالما تلاعب ضمن سفوحها، لعوالم أخرى ولكنه مع ذلك يحتفظ بالدور دائما كما هو للفواعل غير البشرية ضمن نصه، كما حدث هنا مع البوم ونعيقه ودوره في تحريك الحدث وفتح أفاق الحوار الذي تأسست عبره وبطريقة غير مباشرة (رؤية الكاتب).


النصوص مادة الدراسة
المشوار، القطة، المهر
المِشْوَار
( 1 )
... يقف بخيلاء الفرسان .. يُطوِّح برجله اليمنى من فوق ظهر الفرس .. يُمسِّد على عنقها الأملس بحنان .. يُمسك اللجام بيده اليسرى .. يلتفت إلى الجموع الحاشدة على الجانبين .. يُحس بالزهو وهو يسمع صيحاتهم:
ـ هيَّا .. مشوار يا ( اخْلُوفة ) .. مشوار.
ـ مشوار يا راعي الحَمْرَا.
( 2 )
ينظر (خليفة) إلى جهة النساء .. يسيل اللعاب خيوطاً على صدره .. يمسح أنفه بطرف كُمِّه .. يحشر سبابته في أُذنه مُغمِضاً عينيه .. يقترب الأطفال .. يتحسسون جسد الفرس الأملس.
( 3 )
ترتفع الزغاريد مُلعلِعة .. يفور الدم الحامي في عروقه .. يُغضِّن جبهته .. يَزمُّ شفتيه .. يكتسي هيأةً جادَّة تليق بالفرسان .. ينظر أمامه مباشرة إلى الطريق الترابي الممتد .. الذي يتلاشى عند حافة السماء .. يرفع ذراعه مُلوِّحاً .. يبصق في يده اليمنى .. يضرب بكفِّه على مؤخرته .. و .. ينطلق في مشوارٍ لاهـث .. بينما عصا المكنسة تُثير خلفه زوبعةً من الغبار..!
( 1999 )
القِطَّة

( 1 )
... أحد المساءات الربيعية .. في تلك اللحظة التي يكون فيها قرص الشمس في متناول كفَّيك .. اللحظة التي تتوهَّج فيها التنانير .. وتنعقد حُزَم الدخان فوق الوادي .. كانت القِطَّة تتمدَّد في تجويفٍ تحت الصخرة .. غائبة عن الوعي .. بلغ الألم مُنتهاه .. حتى تلاشى الإحساس بالألم.
أفاقت .. استدارت .. غمرها إحساس جارف بالأُمومة .. هذه أول مرَّة تعرف طعم هذا الإحساس.
تأمَّلت أُسرتها .. خمس قُطيطات .. أربعٌ بِيض .. وواحدٌ أسود.
تشمَّمتْهم ..
ـ البياض لي .. والسواد له .. تُرى أين هو الآن ..؟ لا هَمَّ له سوى النزول من فوق قِطَّة .. واعتلاء أُخرى .. ثُمَّ يتلهَّى ويصطاد .. إنه لا يعرف حتى مذاق الألم .. ولكن .. لا بأس .. دعونا نتذوَّق اللحظة الراهنة.
لحستْهم .. واحداً واحداً .. ثُمَّ استلقت من جديد .. ومنحتْهم أثداءها الطافحة بالحليب.
( 2 )
في الصباح .. ألْقتْ نظرةً على صغارها العُميان .. لقد ارتوتْ .. وهي الآن مستغرِقة في نومٍ عميق .. كل واحد يدسُّ رأسه في حضن الآخر.
خرجت لاصطياد ما يمكن اصطياده .. تطلَّعت حولها .. إنها في مأمنٍ من شقاوة الأولاد .. اختارت هذا التجويف الصخري البعيد .. حتى لا تكون هدفاً للمقاليع.
الْتفتت إلى بيتها ..
ـ ولكن ماذا لو تسلَّلت إحدى الأفاعي..؟

ارتعشت وهي تتصوّر ذلك.
أخذت تُضيِّق الفتحة .. كوَّمت التراب في المدخل .. ثُمَّ...
ـ ماذا يفعل هذا الثعلب الملعون هنا..؟ إنه يتشمَّم كل شيء .. لا يجب أن يراني.
عادت .. حشرت صغارها في أعماق التجويف .. وأخذت موقف الدفاع..
فكَّرت:
ـ إننا قريبون من المدخل .. في متناول المخالب.
شرعت تحفر إلى الداخل .. تحفر .. حتى توغَّلت .. ولم تعُد ترى صغارها.
عادت .. أخذت تلتقطهم من أعناقهم .. يتأرجحون بين فكَّي الأُمومة..!
ـ والآن أصبحتم في مأمن.
مكثتْ قليلاً .. تلتقط أنفاسها .. ثُمَّ أطلعت رأسها من الفتحة..
ـ اختفى الثعلب .. لكنَّ رائحته لا تزال قوية.
رفعت أنفها في كل الاتجاهات..
ـ آه .. المخادع يترصَّد من خلف الصخرة .. يظنُّ أنه يخدعني .. صغاري لن يكونوا لُقمة سهلةً لأحد.
... وبقيت تسدُّ المدخل ..
... في المساء .. حطَّت بُومة على الخَرُّوبة المجاورة .. ونعبت نعيباً فاجِعاً.
ـ لم يعُد ينقصني سوى البومة .. إنها أخطر من الثعلب .. لن تجد صعوبة في الدخول .. لكنني لن أترك صغاري الآن .. سأرى مَن منَّا ستصبر أكثر ..؟ هل ستبقَين فوق الغصن إلى الأبد..؟!
( 3 )
...في آخر الليل أخذت القطيطات تموء .. وتتحسَّس الأثداء.
لم يغمض للأُم جفن ..
ـ ماذا أفعل لحمايتهم ..؟ ماذا أفعل لدفع الخطر عن العائلة ..؟ إذا خرجتُ الْتهمهم المُترصِّدون .. إذا بقيتُ قتلهم الجوع .. ذلك السافل .. يغرز أسنانه في عنقي .. يقذف في أحشائي عائلة كاملة .. ثُمَّ يختفي .. كأنَّ الأمر لا يعنيه .. لو أنه يأتي الآن لتناوبنا الحراسة .. ولكن لا مناص من الخروج غداً .. لابُدَّ من الخروج في نهاية المطاف .. لن أسمح لهم بدفننا أحياء.
أطلعت رأسها .. تأملت القمر الحائم فوق الوادي .. وظِلال الأشجار الباهتة .. أطلقت البومة ثلاث نعبات متتالية مُؤكِّدةً وجودها .. ومسحت سحابةُ ضوءَ القمر.
( 4 )
في الفجر .. رفعت نفسها بوهن من بين صغارها .. التي لم تَكُفّ عن المواء طوال الليل .. زحفت ناحية المَخْرَج .. جفَّت الأثداء .. الجوع ينهشها .. كانت تسمع تكسُّر البَيض في الأعشاش الدافئة .. والزقزقات الأولى للعُصَيفيرات الوليدة.
أخرجت رأسها .. استرابت..

ـ كالعادة .. الأمور على أسوأ ما يُرام .. الثعلب فوق الصخرة .. والبومة في أعلى الشجرة .. ولا شك أنَّ الأفعى تكمن في الجِوار .. إنهم يترصَّدون صغاري من فوق ومن تحت.
أغمضت عينيها .. ثُمَّ .. قررت أن تعود .. لا يزال هناك خِيار.
سدَّت المدخل بكومة من التراب .. وغابت في ظلمة الصخرة.
( 5 )
... عند ارتفاع الضحى .. بدأت كومة التراب تتحرَّك .. انتصبت أُذنا الثعلب .. أدارت البومة رأسها .. تكوَّرت الأفعى .. انزاح التراب .. برز المخلبان .. الرأس .. الكتفان .. انضغط الجسد مقذوفاً إلى الخارج .. مُنتفِخة .. تتمايل .. أثداؤها تنزُّ بالحليب .. انحدرت مع الوادي .. تمشي بهدوء .. لا يبدو عليها أثر للخوف .. أو القلق.
... تسابق المُترصِّدون..
الأفعى أول الداخلين .. كانت أقربهم..
توغَّلت .. أحسَّت بدفء التراب .. أخرجت لسانها تلتقط الرائحة الشهية .. ولكن ... لم يكن هناك أَثرٌ لشيء .. لا شيء سوى نُتَفٍ من الوَبَر .. وبُقَعٍ من الدَّم..!

( 1997 )
المَهْر

... ذات عشيَّة .. ركب جلالة الملك حصانه الأشقر .. وطلب من مستشاره أن يرافقه في نزهة إلى الغابات المجاورة .. جلالته يحلو له كثيراً التنزَّه في العَشَايا الرطبة .. وحينما هبطا وادياً عميقاً .. وأصبح من الصعب على الفرسين السير فيه .. ترجَّل جلالته .. وأخذ يخطو على قدميه .. يتبعه مستشاره .. ثُمَّ جلس فوق صخرة مُشرفة على مجرى السيل.
وسط صمت الوادي .. نعقت بومة في السفح الأيمن .. فجاوبتها بومة أخرى من السفح الأيسر.
أجفل الملك .. تغضَّن وجهه .. فجلالته يتشاءم من البوم .. لكنَّ حوار البومتين استمر .. نعقة من هذا السفح .. تردّ عليها نعقة من السفح المقابل.
قد تطول النعقة أو تقصر .. تبعاً لمقتضيات الحديث .. لكنَّها في جميع الأحوال نعقات حادَّة صارخة .. بسبب أزمة الحوار .. وظروف التخاطب عن بُعد.
وتوقَّف الحوار..
عاد الوادي إلى سكينته .. لا شيء يُعكِّر الصمت سوى نخير الحصانين وهما يقضمان العشب النامي على حافة السيل.
الْتفت جلالته إلى المستشار..

ـ على علمي أنك خبير في منطق الطير .. فماذا قالت البومتان..؟
بلع المستشار ريقه .. اسودَّ وجهه واصفرَّ .. علَتْه كل الألوان .. وقف ثُمَّ جلس .. وردَّ بصوت مرتعش:
ـ إنه مُجرَّد هذيان بومتين .. تطردان الضجر .. تستطيع أن تُسمَّيه : (الصياح في الوديان).
لكنَّ جلالته قال بصرامة:
ـ لا تراوغ.
ـ حسناً يا مولاي .. سأُترجم ما قالت البومتان حرفياً .. حرفياً يا مولاي .. ولن أزيد حرفاً واحداً من عندي .. فهذا ليس من الأمانة العلمية..
ـ متى تكفُّ عن الثرثرة..؟
ـ إنهما ـ يا مولاي ـ بومتان...
ـ عرفنا هذا .. وماذا بعد..؟
ـ بومة السفح الأيمن تطلب ابنة البومة الأخرى لولدها .. تطلب يدها ـ كما نقول نحن البشر في مثل هذه المناسبة ـ أو يمكنني أن أقول تطلب جناحها ..! فأنا أُحاول أن أُقرِّب لك المعنى .. فقواميس البوم يا مولاي مليئة بألفاظ غريبة .. تستعصي ترجمتها.
ـ دعني من ثرثرتك .. واعطني زُبدة الحوار.
ـ الزبدة يا مولاي .. حسناً .. دعني أمخض قليلاً .. نعم .. لقد وافقت البومة ـ أمُّ العروس ـ على الطلب .. واعتبرت ذلك شرفاً .. لكنَّها اشترطت مَهراً غريباً لابنتها.
تلعثم المستشار .. وسكت..
ـ كنت أعتقد أنَّ المهور الغريبة لدى البشر فقط .. فما هو هذا المهر الغريب..؟
ـ لقد اشترطت لابنتها قريةً خَرِبة..!
ـ قريةً خَرِبة..!؟
ـ معلوم يا مولاي .. فالبوم لا يحلو له النعيب إلاَّ فوق الخرائب .. حتى قالوا بأنَّ الخرائب هي عُروش البوم.
ـ وهل قبلت المَهر..؟
ـ نعم يا مولاي .. لقد قالت لها .. قالت لها...
ـ ما بك اليوم .. تُكثر التلعثم .. وتُفأفئ .. ماذا قالت..؟
ـ اعذروني جلالتكم .. أنا أُترجم حرفياً .. لقد ضحكت البومة ـ أعني أُمُّ العريس ـ وقالت هذا شرطٌ سهل .. إذا دام عهد جلالة الملك ـ أطال الله بقاءه ـ فسأمنحكِ .. ليس قريةً واحدة فقط .. بل عشرات القُرى الخَرِبة..!
انظروا جلالتكم .. البوم ليس جَحوداً كالبشر .. فهو يدعو لكم بطول البقاء.
( 1998 )


[1] تسمى لدى بعض نقاد القصة القصيرة اللحظة النهائية التي تتضح فيها المفارقة التي تنهي القصة بلحظة التنوير.
[2] أحمد يوسف عقيلة /بكاء الصراصير/ /قصة المِشْوَار
[3]أحمد يوسف عقيلة /بكاء الصراصير/ قصة المِشْوَار
[4] أحمد يوسف عقيلة /بكاء الصراصير/ قصة المِشْوَار
[5] أحمد يوسف عقيلة /بكاء الصراصير/ قصة المِشْوَار
[6] أحمد يوسف عقيلة /بكاء الصراصير/  قصة القطة
[7] أحمد يوسف عقيلة /بكاء الصراصير/ قصة القطة
[8] أحمد يوسف عقيلة /بكاء الصراصير/قصة المهر
[9] أحمد يوسف عقيلة /بكاء الصراصير/قصة المهر
[10] أحمد يوسف عقيلة /بكاء الصراصير/قصة المهر
[11] أحمد يوسف عقيلة /بكاء الصراصير/قصة المهر